عبد العال سالم مكرم

73

من الدراسات القرآنية

« فقال منهم قائل : إن في القرآن عربيا وأعجميا » فرد الإمام على هذا الادعاء بقوله : « والقرآن يدل على أن ليس من كتاب اللّه شئ الا بلسان العرب ، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا ، وأكثرها ألفاظا ، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي » إلى أن يقول : فإن قال قائل : ما الحجة في أن كتاب اللّه محصن بلسان العرب لا يخلطه فيه غيره ؟ فالحجة في كتاب اللّه ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ « 1 » فإن قال قائل : فإن الرسل قبل محمد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة ، وإن محمدا بعث إلى الناس كافة ، فقد يحتمل أن يكون بعض بلسان قومه خاصة ، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه ، وما أطاقوا منه ، ويحتمل يكون بعث بألسنتهم ، فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم ؟ ويرد الشافعي على هذا الاعتراض بقوله . فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض ، فلا بد أن يكون بعضهم تبعا لبعض ، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع . وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ، ولا يجوز واللّه أعلم أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد بل كل لسان تبع للسانه ، وكل أهل دين قبله ، فعليهم اتباع دينه » . بهذا المنطق القوى رد الشافعي هذا الاعتراض ، ولكنه لم يكتف بذلك فوثق هذا الرد بكتاب اللّه تعالى في وضوح يبدد الباطل ، وصراحة تكشف البهتان ، فيقول : وقد بين اللّه ذلك في غير آية من كتابه : قال اللّه : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194 بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ « 2 » ، وقال : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا « 3 » وقال : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها « 4 » وقال : حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ « 5 » وقال : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ « 6 » .

--> ( 1 ) إبراهيم : 4 . ( 2 ) الشعراء : 192 - 195 . ( 3 ) الرعد : 37 . ( 4 ) الشوري : 7 . ( 5 ) الزخرف : 1 - 3 . ( 6 ) الزمر : 28 .